دكتور عبد العزيز الدوري
38
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
صحراء واسعة في الوسط لا أنهار فيها ، بل تحوي أودية ومجاري موقتة . وليس فيها ما يساعد على حياة الاستقرار في تلك المنطقة . وتمتد السهول الخصبة في الشمال منها وهي التي تعرف بالهلال الخصيب الغني بمياهه الوافرة وأراضيه الخصبة . وتنتشر الجبال في الغرب والجنوب ، وهي إما في مناطق قاحلة كالقسم الغربي ، وهو الحجاز ، وغالبه واد غير ذي زرع ، تنتشر فيه منابع وواحات ، كالطائف وخيبر والمدينة ، أو أنها تكون جبالا فيها السفوح الخصبة التي قد تتخللها الأودية الوفيرة المياه في بعض المواسم ، كاليمن . ولذلك كان طبيعيا أن تنشأ المجتمعات الحضرية المستقرة على الأطراف ، كما في الهلال الخصيب واليمن ، وبعض مدن الحجاز ، وأن يكون الوسط بدويا رعويا . وشبه جزيرة العرب في مركز جغرافي استراتيجي مهم . فهي وسط العالم القديم ، وعلى طرق التجارة العالمية ، ولا سيما الطرق التي تصل الشرق الأقصى والهند بالشرق الأوسط برا بطريق أواسط آسيا إلى إيران والعراق فحوض البحر الأبيض المتوسط ، وبحرا بطريق الملايو وحول الهند إلى الخليج العربي أو حول الجزيرة إلى البحر الأحمر أو اليمن لتنتهي في الشام ومصر . ولذا صارت التجارة عصب الحياة الاقتصادية لأكثر الدول التي تكونت في هذه الربوع ، وغلبت الصفة التجارية على المجتمعات الحضرية ، واتسع المجال للتبادل الثقافي بين مراكزها التجارية والثقافات الأجنبية في بعض الفترات . ويحيط بها البحر من ثلاث جهات ، فقلّل ذلك مجال التمازج البشري بين عناصرها والعناصر الأجنبية ، وحدد اتجاه التوسع البشري لسكانها . ولما كان البحر يحيط بها من الشرق والجنوب والغرب ، اتجه انتشار سكانها إلى الشمال وأحيانا إلى الغرب خلال برزخ السويس . وإذا أمعنا في السير شرقا وشمالا وجدنا الجبال تحف بها . فإذا تجاوزنا الجبال انتقلنا إلى مناطق تختلف في بيئتها الطبيعية عن طبيعة بلاد العرب . لذا كان الانتشار الطبيعي لسكانها محدودا ، في الظروف الاعتيادية ، في هذه الجبال . وهذا يفسر انتشار العرب في الهلال الخصيب وشمالي أفريقية ، وعدم نجاحهم في التوطن في إيران على رغم سيطرتهم عليها مدة طويلة ، وخيبتهم في التغلغل في الأناضول . وهنا نذكر أن الجبال تمثل حدود الانتشار السامي ، وأن وجود الساميين والثقافة السامية يسّر تعريب هذه البلاد . وإذا أمعنّا النظر في الحياة في الجزيرة العربية نجدها متأثرة كثيرا بالظروف الطبيعية التي أشرنا إليها . فوسط الجزيرة بدوي ، عماد حياته الاقتصادية المرعى والماء القليل . وهذا يؤدي إلى نزاع شديد عليهما ، وإلى حياة كفاح مستمر للبقاء . وهذا